
في خضم الحديث عن مسودة تقرير الأمم المتحدة ، وما رافقها من تحليلات بشأن قضية الصحراء الغربية والمفاوضات المباشرة بيننا وبين العدو المغربي ، يظل هناك سؤال إنساني لا ينبغي أن يغيب عن أذهان مفاوضينا الأعزاء : ماذا عن الأسرى والمعتقلين الصحراويين ؟ وماذا عن الأمهات اللواتي يذبن ألماً وهن ينتظرن عودة أبنائهن ؟
إن الحديث عن الحل السياسي وتقرير المصير وبناء الثقة ، لا ينبغي أن يجعلنا ننسى الإنسان الصحراوي ، ولا أن يحوّل معاناة الأسرى إلى مجرد تفصيل مؤجل في الملفات الدبلوماسية ، لأن وراء كل معتقل قصة إنسان ، ووراء كل أسير عائلة تنتظر ، وأم تعيش على أمل أن ترى ابنها من جديد .
إلى مفاوضينا الأعزاء ، اجعلوا قضية الأسرى والمعتقلين الصحراويين في مقدمة مطالبكم ، وطالبوا بإطلاق سراحهم ، وخاصة من سُجنوا على خلفية مواقفهم السياسية ودفاعهم عن حق شعبهم في تقرير المصير .
فإذا كان الحديث عن حسن النية وبناء الثقة حاضراً على طاولة المفاوضات ، فإن أول اختبار حقيقي لذلك هو اتخاذ خطوات إنسانية ملموسة تنهي معاناة العائلات وتفتح أبواب الأمل أمام الأمهات ، لأن بناء الثقة لا يمكن أن يبقى مجرد عبارات تُقال في قاعات التفاوض ، بل ينبغي أن يتحول إلى إجراءات حقيقية يشعر بها الإنسان الذي أنهكته سنوات الانتظار والمعاناة .
تخيلوا أماً تقف أمام أبواب السجن ، تحمل في قلبها ألف وجع ، وتتمنى فقط أن ترى ابنها ، أن تحتضنه ، وأن تطمئن على صحته .
تخيلوا أُسراً حُرمت من زيارة أبنائها ، ومعتقلين يعانون أمراضاً مزمنة ، وآخرين يخوضون إضرابات عن الطعام احتجاجاً على أوضاعهم .
أي ألم أشد من أن تكون الأم على قيد الحياة ويكون ابنها بعيداً عنها خلف القضبان ، لا تستطيع أن تمسح دموعه أو تخفف أوجاعه ؟ وأي قسوة يمكن أن تكون أكبر من أن يعيش الإنسان سنوات وهو محروم من أبسط حقوقه ، بينما تبقى عائلته معلقة بين الخوف والانتظار والأمل ؟
إننا لا نطلب من مفاوضينا التخلي عن القضية الوطنية أو التنازل عن حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره ، بل نطالبهم بأن يجعلوا الإنسان في قلب هذه القضية ، وأن يحملوا صرخات الأمهات إلى طاولة المفاوضات ، وأن يجعلوا من معاناة الأسرى والمعتقلين قضية حاضرة في كل نقاش يتعلق ببناء الثقة والحل السياسي .
فلا سلام حقيقياً دون كرامة ، ولا بناء للثقة دون خطوات تعيد الأمل إلى القلوب المنكسرة ، ولا يمكن أن يكون الحديث عن مستقبل أفضل مقنعاً إذا بقيت عائلات بأكملها تعيش تحت وطأة الانتظار والخوف على مصير أبنائها .
مفاوضينا الأعزاء ، تذكروا أن وراء كل أسير أماً تنتظر ، وبيتاً يشتاق ، وقلباً لا يعرف طعم الراحة .
فلا تجعلوا دموع الأمهات تفصيلاً عابراً في حسابات السياسة ، ولا تتركوا معاناة الأسرى خارج أولويات التفاوض .
افتحوا أبواب الأمل أمام الأمهات ، وطالبوا بعودة أبنائهن ، واجعلوا حرية الإنسان الصحراوي وكرامته من أولى ثمار أي مسار جاد نحو الحل ، لأن القضية ليست أرضاً وحدوداً وخرائط فحسب ، إنها قضية شعب وكرامة وحق في تقرير المصير ، وقبل كل ذلك هي قضية إنسان ينتظر حريته ، وأم تنتظر عودة ابنها .
وأجمل ما يمكن أن تنتهي إليه المفاوضات بالنسبة إلى أم طال انتظارها ، أن يُفتح باب البيت ويعود ابنها ، فتضمه إلى صدرها وتقول والدموع تسبق كلماتها : « أخيراً ، عاد ولدي » .



